محمد بن جرير الطبري
85
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الذهب والفضة على لسان رسوله ، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوف ألوف لو كان ، وإن أديت زكاته من الكنوز التي أوعد الله أهلها عليها العقاب ، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من ربع العشر ، لأن ما كان فرضا إخراج جميعه من المال وحرام اتخاذه فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره ، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه وفرض عليه إخراجه من يده إلى يده ، فالتطهر منه رده إلى صاحبه . فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم ، أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعيد الله لم يكن اللازم ربه فيه ربع عشره ، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه ، كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله رده على ربه . وبعد ، فإن فيما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : قال معمر : أخبرني سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يمضى بين الناس لم يرى سبيله وإذ كانت إبلا إلا بطح لها بقاع قرقر تطؤه بأخفافها " حسبته قال : " وتعضه بأفواهها ، يرد أولاها على أخراها ، حتى يقضى بين الناس ثم يرى سبيله . وإن كانت غنما فمثل ذلك ، إلا أنها تنطحه بقرونها ، وتطؤه بأظلافها " . وفي ذلك نظائر من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها الدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤد الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة ، لا على اقتنائها واكتنازها . وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاص . كما قال ابن عباس ، وذلك ما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يقول : هم أهل الكتاب ، وقال : هي خاصة وعامة الزكاة . يعني بقوله : هي خاصة وعامة ؛ هي خاصة من المسلمين فيمن لم يؤد زكاة ماله منهم ، وعامة في أهل الكتاب لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا . يدل على صحة ما قلنا في تأويل قول ابن عباس هذا ما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها إلى قوله : هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ قال : هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم . قال : وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز ، وكل مال تؤدى زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قال : الكنز : ما كنز عن طاعة الله وفريضته ، وذلك الكنز . وقال : افترضت الزكاة والصلاة جميعا لم يفرق بينهما . وإنما قلنا ذلك على الخصوص ، لأن الكنز في كلام العرب : كل شيء مجموع بعضه على بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها ، يدل على ذلك قول الشاعر : لا در درى إن أطعمت نازلهم * قرف الحتي وعند البر مكنوز يعني بذلك : وعند البر مجموع بعضه على بعض ، وكذلك تقول العرب للبدن المجتمع : مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض . وإذا كان ذلك معنى الكنز عندهم ، وكان قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الزكاة معناه :